T-HIYA
موارد إبداعية ﺗﯿﮭﯿﺎ | 2026
forme titre

خربوشة: الشيخة اللي حوّلات الغنا لمقاومة

بدا الاسم ديالها من أثر فوجهها. خربوشة، اللي كتعني "المخربشة" ولا "المجروحة"، كيتقال باللي تسمّات هكاك حيث مرض الجدري خلّى آثار فجلد وجهها (Glacier, 2013, p.128). ولكن التاريخ تافكرها بعلامة أخرى: الأثر اللي خلاتو صوتها فذاكرة المغاربة. كانت معروفة باسم حادة الغيطية، شاعرة، شيخة، وامرأة مقاومة اللي تحدّات القايد عيسى بن عمر، واحد من أكثر الرجال هيبة وخوفاً فجهة عبدة (1841-1924). فواحد العالم اللي كان متوقع من أصوات النساء تبقى مراقبة، محصورة، أو محكومة عليها أخلاقياً، خلات خربوشة صوتها مستحيل يتجاهل.

 

القصة ديالها كترجع لآخر القرن التاسع عشر، قبل ما يتأسس رسمياً نظام الحماية الفرنسية فالمغرب، اللي بدا بمعاهدة فاس سنة 1912 وسالا باستقلال المغرب سنة 1956. ولكن حياة خربوشة كتكشف لينا من داباك بزاف ديال التوترات اللي غادي يستمرّو فالفترة الاستعمارية وما بعد الاستعمار: التحكم فالأجساد، مراقبة الحضور العلني ديال النساء، الشك فالفن الشعبي، والخوف اللي كيتخلق ملي كيولي الشعر سياسي. كانت من منطقة عبدة، حدا آسفي، وكانت مرتبطة بقبيلة أولاد زيد، اللي الثورة ديالها ضد القايد عيسى بن عمر سنة 1895 ولات من أكثر الأحداث المأساوية فتاريخ المنطقة.

 

خربوشة كتمثل عدة صراعات فآن واحد. كتمثل صراع القبائل ضد المخزن، أو السلطة المركزية؛ وصراع الفلاحين ضد طغيان النخب القوية؛ وصراع فنانة امرأة ضد رجل سلطة. وكما كتوضح أوزير غلاسيي، كانت خربوشة كتعيش فالسياق التاريخي الدقيق ديال القرن التاسع عشر، ملي كانت بزاف ديال القبائل مازال كتناضل ضد السلطة المركزية باش تحافظ على استقلاليتها (Glacier, 2013, p.128). وبالتالي، فالقصة ديالها ماشي غير قصة امرأة استثنائية، بل حتى قصة المغرب القروي اللي كان كيقاوم الهيمنة، ونزع الملكية، والإهانة.

 

السياق السياسي اللي ظهرت فيه كان غير مستقر بشكل كبير. من بعد وفاة السلطان مولاي الحسن الأول سنة 1894، طلع ولدو مولاي عبد العزيز للعرش وهو مازال صغير فالسن. وبسبب هاد الشي، تولّى تسيير شؤون الحكم أحمد بن موسى المعروف باسم با أحمد (Glacier, 2013, p.129). وكتشرح أوزير غلاسيي أن با أحمد استغل هاد الظرف باش يوسّع النفوذ والامتيازات ديالو، بينما تفشّى الفساد والاستبداد فالبلاد. بزاف من القبائل، اللي كانت كتدافع على استقلالها، تمردات على المخزن. وفهاد الجو، ما كانتش ثورة خربوشة وأولاد زيد حادثة معزولة، بل كانت جزء من صراع أوسع حول شكون عندو الحق يتحكّم فالأرض، والأجساد، والضرائب، والحياة الجماعية.

 

باش تسترجع السيطرة على الفضاءات القبلية، اعتمدات السلطة المركزية على قياد أقوياء. وفمنطقة عبدة دكالة، كان هاد الدور كيلعبو عيسى بن عمر، اللي كيتوصف بأنه قايد قاسٍ ومخوف، جمع الثروة، احتكر الموارد، وفرض سلطتو على المنطقة كلها. والقمع ديالو للقبائل ولى وسيلة للصعود السياسي. أمر بتجريد رجال أولاد زيد من السلاح، ومصادرة أراضيهم، والاستيلاء على مواشيهم وخيولهم. كان هاد الشي شكلاً مادياً مباشراً للهيمنة. ما كانش غير كيسكت الناس، بل كيحرمهم من وسائل الدفاع على راسهم، وإطعام عائلاتهم، والعيش بكرامة.

 

وفي قلب الإرث ديال خربوشة كاينة شخصية الشيخة. فالثقافة المغربية، الشيخة ماشي غير فنانة كتسلي الناس. هي مغنية، شاعرة، مؤدية، وحافظة للذاكرة الشفوية. كتغني ففضاءات عامة وشبه عامة، غالباً فالأعراس، والمواسم، والاحتفالات، ولحظات المشاعر الجماعية. ولكن الظهور ديالها عمره كان بسيط. المجتمع محتاج للشيخة لأنها كتعطي الإيقاع للفرح، والحزن، والرغبة، والذاكرة. ولكن نفس المجتمع كيحكم عليها لأن صوتها، وجسدها، وحركتها، وحضورها العلني كيزعزعوا المعايير الأخلاقية المفروضة على "الأنوثة المحترمة".

 

هاد التناقض باين بوضوح فالوصف ديال حسن أوريد للشيخات:  "شكون ما كيعرفش الشيخات، داك الشابات اللي كينورو السهرات الحميمة بأصواتهم الحادة، وأشعارهم الخفيفة أحياناً، ورقصاتهم الحسية، وشعرهم المنكوش، على أنغام الكمان وإيقاع البندير؟" (Aourid, 2026).

 

هاد الكلمات كتكشف كيفاش الشيخة كتتشاف غالباً بنوع من الإعجاب والاحتقار فنفس الوقت. كيتعزم عليها، كيتسمع ليها، وكيتحتاجوها، ولكن كتوصف أيضاً بصور مرتبطة بالفوضى، والحسية، والتجاوز. الشيخة حاضرة فقلب الحياة الاجتماعية، ومع ذلك كاتبقى موسومة بالاشتباه الأخلاقي.

 

محمد عبد الواحد رفيقي لخص هاد المفارقة بقوة ملي كتب أن الشيخة: "ضرورية، ولكن عمرها ما اندمجات بالكامل؛ مقبولة، ولكن بشروط؛ ظاهرة للعيان، ولكن دائماً خاضعة للمراقبة" (Rafiqi, 2026). هاد الجملة كتعاونّا نفهمو موقع خربوشة. الشيخة ضرورية لأن المجتمع محتاج ليها باش تغني أفراحو وأحزانو وانتصاراتو وهزائمُه وجراحُه. ولكنها ما كتندمجش بشكل كامل لأن الثقافة اللي كتستهلك فنها غالباً ما كتعترفش بيها كسلطة ثقافية مشروعة. هي مرئية، ولكن مراقبة. مقبولة، ولكن بشروط. محتفى بها، ولكن ما عمرها كانت محمية بالكامل من الأحكام.

 

العظمة ديال خربوشة كتكمن فكونها حولات هاد الموقع الهش والخاضع للمراقبة إلى مصدر قوة سياسية. استعملات العيطة، وهو الجنس الشعري الشفوي المغربي اللي غالباً كيترجم على أنه "صرخة" أو "نداء"، ماشي غير باش تسلي الناس، ولكن باش تواجه الظلم. العيطة يمكن تغنيها امرأة بوحدها أو مجموعة، وكتتميز بالقوة التعبيرية ديال الصوت والكلمات. فعهد خربوشة، ولات العيطة سلاحاً للذاكرة والتعبئة. وكتفيد الروايات أنها كانت كتبدا قصائدها بذكر الله والأولياء بصوت آسر (Glacier, 2013, p.129)، ومن بعد كتدعو الناس يحسّو بالمعاناة اللي كيولدها الظلم ويتحركو ضدو. هاد البنية مهمة: شعرها كينتقل من الروحانية إلى الوعي السياسي. كيخلّي الظلم يتحس قبل ما تولّي الثورة ممكنة التفكير.

 

ولهذا السبب أغانيها عندها أهمية تاريخية كبيرة. ما كتعبرش غير على ألم شخصي، ولكن كتحكي للأجيال اللاحقة على السياق السياسي لذلك العصر: فساد السلطة، وعنف النفوذ المحلي، ومعاناة الفلاحين، ونضال القبائل، والشجاعة اللي خاصها المقاومة. ففي سياق كانت فيه الكتابات التاريخية الرسمية كتعطي الأولوية للحكام، والنخب الذكورية، والأرشيفات المكتوبة، حافظ شعر خربوشة المغنّى على أرشيف آخر: أرشيف القرويين، والمتمردين، والمجروحين، والنساء.

 

فسنة 1895، ملي ثار أولاد زيد ضد عيسى بن عمر، ما كانتش الثورة غير عسكرية، بل حتى رمزية. كانوا كيقاومو الاستغلال والضرائب المجحفة، ولكن حتى الإهانة. وولات خربوشة جزءاً أساسياً من هاد المقاومة لأنها عطاتها اللغة، والإيقاع، والقوة العاطفية. كانت أغانيها كتمدح أولاد زيد وكتندد باستبداد عيسى بن عمر، حتى ولات حاضرة بشكل أساسي فالتجمعات والاحتفالات ولحظات التعبئة ديال القبيلة. كانت كتنادي شعبها يرفض الخضوع. وقالت:

 

"أنا حرّة، وفلوس عيسى ما تسواش حريتنا."
(Khodari, 2008, كما ورد عند Glacier, 2013, p.130)

المعنى واضح: الكرامة ما كتتشراش، والحرية ما كتتباعش مقابل البقاء تحت حكم الطغيان.

 

كما دعا شعرها بشكل صريح للتمرد:

نوضو كاملين فثورة وحدة
حتى نوصلو لباب سي قدور (حارس القايد)
نوضو كاملين فثورة وحدة
حتى نوصلو لبوكشور (البير)


(Khodari, 2008, كما ورد عند Glacier, 2013, p.130)

 

هاد الأبيات كيبينو أن الفن ديالها ما كانش مجرد كلام مجرد. كان كيسمّي الأماكن، وكيصور الحركة، وكينادي الناس للفعل. صوت خربوشة ما كانش غير كيوصف المقاومة، بل كيساهم فصنعها. ولهذا ولات خطيرة. عيسى بن عمر كان يقدر يواجه رجال مسلحين، ولكن السخرية العلنية اللي كتتغنّى بصوت امرأة كانت كتهدد حاجة أعمق: سلطتو، وشرفو، والخوف اللي كانت كتقوم عليه قوتو.

 

وسالات هاد المواجهة بمأساة. الروايات التاريخية كتوصف القمع اللي تعرضات ليه ثورة أولاد زيد، والحدث اللي بقا معروف باسم عام الرفسة، ملي تحولت المفاوضات المفترضة إلى عنف ومجزرة وسجن وتشتيت. فداك اللحظة، ولى صوت خربوشة مرتبط بالحزن الجماعي. ما بقاتش غير شاعرة الثورة، بل ولات شاهدة على الكارثة. أغانيها حفظات داك الشي اللي حاول العنف يمحيو.

 

الجنس ديالها زاد خلا تحديها أكثر إزعاجاً. مواجهة خربوشة لعيسى بن عمر كانت سياسية، ولكن كانت أيضاً اجتماعية وأخلاقية بعمق. خرقت الصمت المفروض على النساء. دخلات لمجال الكلام العلني، وسخرت من رجل قوي، وعبّأت الرجال بالشعر. وبالتالي كان تهديدها مزدوجاً: تحدات المخزن وممثليه المحليين بصفتها عضوة فقبيلة متمردة، وتحدات النظام الأبوي بصفتها امرأة رافضة للاختفاء. فمجتمع كان شرف المرأة فيه مرتبط غالباً بالتحفظ والطاعة والحضور المراقَب، كان الوجود الفني ديال خربوشة كيهز النظام الأخلاقي من جذوره.

 

ولهذا السبب أيضاً كتتكلم قصتها مع المرحلة الاستعمارية اللاحقة. تحت الحماية الفرنسية، ما خلقش الاستعمار المراقبة ولا التراتبية ولا الضبط الأخلاقي من الصفر، ولكنه أعاد تنظيم بزاف من أشكال السيطرة وقواها. وُضع المغرب تحت هيمنة إدارية وعسكرية وسياسية فرنسية، غالباً عبر الاعتماد على البنيات المحلية للسلطة. وولات الثقافة الشعبية، والمقاومة القروية، وتنقل النساء كلها مصادر قلق للسلطات. وبقات الشيخة عالقة بين الاستعمال والريبة: مطلوبة كفولكلور، وترفيه، وطقس اجتماعي، ولكن مقلقة ملي كيحمل صوتها النقد، أو الذاكرة، أو الحرية الخارجة عن الضوابط.

 

أما المصير النهائي ديال خربوشة فما زال محاط بالغموض. كاين اللي كيقول تسجنات وتحرقات، وكاين اللي كيقول تقطع ليها لسانها، وكاين اللي كيقول تشدات وهي كتحاول تهرب أو تلقى الحماية. وتعطي أوزير غلاسيي (2013) رواية اخرى: من بعد هزيمة القبيلة ديالها، تشدات خربوشة كأسيرة وغنات آخر صراع ديالها كامرأة فنانة فمواجهة رجل سلطة. وحسب هاد الرواية، أمر عيسى بن عمر رجالو يعذبوها قبل ما يدفنوها حية. وخلال التعذيب كيُقال أنها غنات:

 

هادي ليلة العذاب
آه يا با، شحال كنتعذب
ولكن حتى حاجة ما كتدوم
والمصير الأخير هو الموت
آه يا با، شحال كنتعذب


(Khodari, 2008, كما ورد عند Glacier, 2013, p.131)

 

وبالرغم من اختلاف الروايات، كيبقى المعنى واحد: جسد خربوشة كان ممكن يتشد، ويتعاقب، ويتدمر، ولكن صوتها ما كانش ممكن يندفن. صورة خربوشة وهي كتغني تحت التعذيب، سواء اعتبرناها ذاكرة تاريخية أو حقيقة رمزية، كتلخص جوهر الإرث ديالها.

 

اليوم، بقات خربوشة واحدة من أقوى القصص المغربية اللي ما خذاتش حقها من السرد التاريخي. كتفكرنا باللي الفن يقدر يكون أرشيفاً سياسياً، وأن الشيخة، اللي بزاف ديال المرات كتتعرض للتهميش أو للأحكام الأخلاقية، تقدر تكون أيضاً مؤرخة، وناقدة، ومتمردة. صوتها أقلق السلطة لأنه خرج من مكان ما كانتش كتعتابرو خطراً: فم امرأة، وإيقاع الأغنية الشعبية، وفضاء الأداء الفني. وملي كنتفكرو خربوشة، ما كنسترجعوش غير حكاية شاعرة مغربية، بل حتى تاريخ المقاومة القبلية، ونضال الفلاحين، وتحدي المرأة الفنانة، ومجتمع كان محتاج للشيخة وفي نفس الوقت كيرفض يعترف بيها بشكل كامل.

 

عيسى بن عمر قدر يدفن جسدها، ولكن ما قدرش يدفن صوتها. أغانيها بقات كتسافر لداك الأماكن اللي التاريخ الرسمي غالباً ما كيوصلش ليها: عبر الذاكرة، والأداء، وأصوات النساء، والخيال الثقافي المغربي. إرث خربوشة كيفكرنا أن المقاومة ما كتتكتبش ديما فالمناشير السياسية ولا كتتخاض غير بالسلاح. أحياناً، كتتغنّى.

 

References

 

Aourid, H. (2026, May). Geishas, Hétaïres ou divas?. Zamane.

 

Glacier, O. (2013). Femmes politiques au Maroc d’hier à aujourd’hui: La résistance et le pouvoir au féminin. Tarik Editions.

 

Khodari, K. (2008). Kharboucha… Imra’at Al-Aita [Kharboucha… The woman of Aita]. Rabat: Imprimerie Al-Maarif Al-Jadida.

 

Rafiqi, M. A. (2026, May). Le poids de la morale. Zamane.

 

ﺗﯿﮭﯿﺎ
2026
shape

موارد أخرى

أمهات المغرب: الإرث ديال الحلي الأمازيغي
موارد إبداعية

أمهات المغرب: الإرث ديال الحلي الأمازيغي

«أنا باقا واجدة»: الشجاعة والإرث ديال سعدية بوحدو
موارد إبداعية

«أنا باقا واجدة»: الشجاعة والإرث ديال سعدية بوحدو

مريريدة نايت اعتيق: الشاعرة اللي اختارت تبقى حرّة
موارد إبداعية

مريريدة نايت اعتيق: الشاعرة اللي اختارت تبقى حرّة

أمهات المغرب: الإرث ديال الحلي الأمازيغي
موارد إبداعية

أمهات المغرب: الإرث ديال الحلي الأمازيغي

«أنا باقا واجدة»: الشجاعة والإرث ديال سعدية بوحدو
موارد إبداعية

«أنا باقا واجدة»: الشجاعة والإرث ديال سعدية بوحدو

مريريدة نايت اعتيق: الشاعرة اللي اختارت تبقى حرّة
موارد إبداعية

مريريدة نايت اعتيق: الشاعرة اللي اختارت تبقى حرّة

T-HIYA

تسجل.ي. فالنشرة الإخبارية ديالنا

كون.ي أول.ة واحد.ة ت.يعرف آخر مستجدات .