بورتريهات المقاومة – فاطنة منصار و مقاومتها ضد الاستعمار
كتبدأ قصة فاطنة منصار وسط ظروف قاسية طبعها الفقر، والتمييز ضد النساء، والاستعمار. تزادت سنة 1931 فأسرة كتعيش ففقر شديد، وكتوصف طفولتها بأنها كانت «على حافة الحاجة»، حيث كان الحرمان جزء من الحياة اليومية. ففترة الحماية الفرنسية، كانت اللامساواة جزء من النظام الاستعماري، بحيث كانو اللي متعاونين مع الفرنسيين كيستافدو من الامتيازات، بينما الأغلبية كانت محرومة من أبسط الحقوق، وعلى رأسها التعليم، اللي كان فالغالب مقتصر على الفئات الميسورة.
فهاد السياق، كتجسد حياة فاطنة الإقصاء اللي عاشوه بزاف ديال النساء المغربيات، واللي غالبًا ما تغيّب دورهم من التاريخ الرسمي، اللي ركز أكثر على النخب والرجال.
زاد تعمق هاد التهميش بسبب القيود المفروضة على النساء. تزوجات فاطنة وهي عندها غير عشر سنين، ومن بعد الزواج بقات محبوسة فالدار لأنها كانت صغيرة، وما كانش مسموح ليها تشارك فالحياة العامة. وكتلخص هاد الواقع بقولها إن المرأة كانت كتخرج من دار باها لدار راجلها، ومن بعد للمقبرة. هاد الكلمات كتعكس مجتمع كانت فيه حياة المرأة محددة سلفًا، سواء من ناحية الحركة أو المشاركة السياسية أو اتخاذ القرار.
هاد التجربة كتنسجم مع التحليلات النسوية اللي كتشير إلى أن السلطة الأبوية كتفرض سيطرتها من خلال التحكم فحركة النساء وإقصائهن من الفضاء العام، وهو الشي اللي عاشاتو فاطنة بشكل مباشر.
ولكن حياة فاطنة تبدلات بسبب لحظة بسيطة، ولكن مؤثرة. وهي مازالت طفلة، شافت صورة فجريدة لنساء فلسطينيات حاملات للسلاح وكيناضلو فالجبل. كتقول إنها بقات منبهرة، وما قدرتش تفهم كيفاش النساء فبلاصة كيشاركو فالمقاومة، بينما فالبلاد ديالها كيقال للمرأة تبقى داخل الدار.
هاد المشهد خلاها تطرح سؤالًا غيّر نظرتها للحياة: علاش المرأة المغربية خاصها تعيش بطريقة مختلفة؟ بالنسبة ليها، النساء اللي شافتهم فالصورة كانو كيكسرو الحدود اللي فرضها عليهم المجتمع، وكأنهم كيجمعو بين القوة والشجاعة اللي كانت كتعتبر حكرًا على الرجال.
هاد اللحظة كانت البداية ديال الوعي السياسي ديالها، وخلاتها تدرك أن الأدوار الاجتماعية ماشي قدر محتوم، وإنما يمكن تغييرها. وبدات تؤمن بأن المرأة قادرة تكون عنصر أساسي فالنضال، وماشي غير شاهدة على الأحداث.
وجات الفرصة الحقيقية مع نفي السلطان محمد الخامس سنة 1953، اللي أشعل موجة واسعة ديال المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي. بحال بزاف ديال الشباب المغاربة، قررت فاطنة تنخرط فشبكات المقاومة السرية.
ولكن حتى داخل المقاومة، واجهات نفس التمييز اللي كانت كتعاني منو فالواقع اليومي. المسؤولون رفضو يعطيوها أي مهمة لأنها امرأة، واعتبرو أن العمل النضالي خاص الرجال فقط.
فاطنة ما قبلاتش هاد القرار. بالعكس، واجهاتهم بكل ثقة، وقالت إنها غادي تشتغل مع المقاومة سواء قبلوها أو لا، وحتى إلى اضطرات تخدم بوحدها. بهد الموقف، فرضات وجودها بنفسها، وبدات أول خطوة فمسار غادي يخليها واحدة من النساء اللي ساهمو بشكل مباشر فالمقاومة المغربية ضد الاستعمار.
بعدما فرضات فاطنة منصار وجودها داخل شبكة المقاومة، بدات فالأول بمهام إنسانية، بحال تنظيم المساعدات للمعتقلين السياسيين وعائلاتهم. ولكن مع الوقت، أثبتات أنها كتقدر تتحمل مسؤوليات أكبر، وبدات كتشارك فعمليات أكثر خطورة، فيها مخاطرة حقيقية بحياتها.
سنة 1954، شاركات فواحد أول عمل ميداني مباشر، وهو محاولة إحراق جوج دكاكين كانو رفضو يلتازمو بالإضراب اللي دعت ليه الحركة الوطنية. بالنسبة لفاطنة، هاد العملية كانت أول خطوة فعلية فالعمل المقاوم، ومن بعدها ولات عنصرًا أساسيًا داخل الشبكة السرية.
بعد هاد العملية، تكلفات بمهمة دقيقة وخطيرة، وهي نقل الأسلحة بين أعضاء المقاومة. وكانت هاد المسؤولية كتحتاج شجاعة كبيرة، وسرية تامة، وقدرة على التصرف بسرعة فالمواقف الصعيبة. ومع مرور الوقت، ولات هي المسؤولة على تدبير الأسلحة داخل الشبكة، وهو منصب كان كيتطلب الثقة، والتنظيم، والاستقلالية فاتخاذ القرار.
اللي كيخلي تجربة فاطنة مميزة هو أنها قدرت تحول الصورة النمطية اللي كانت عند سلطات الاستعمار على النساء إلى وسيلة لخدمة المقاومة. فالاستعمار الفرنسي كان كيعتبر النساء بعيدات على النشاط السياسي أو العسكري، وهاد الفكرة خلات الجنود يركزو التفتيش ديالهم على الرجال أكثر من النساء.
فاطنة استغلات هاد التصور بذكاء. كانت كتخبي الأسلحة داخل السلال تحت الخضر والفواكه، أو كتخبيها وسط الملابس اللي لابساها، وكتغير الطريقة حسب كل مهمة وحسب الظروف الأمنية. وكانت كتعرف أن الجنود غالبًا ما كيدققوش فالتفتيش ديال النساء، الشي اللي خلاها تقدر تنقل الأسلحة والذخيرة بين خلايا المقاومة بأقل قدر ممكن من الشك.
هاد "اللامرئية" اللي فرضها المجتمع على النساء، واللي كانت فالأصل شكل من أشكال التهميش، ولات بالنسبة ليها نقطة قوة. فالصفات اللي كانت كتستعمل باش تُقصى المرأة من الحياة العامة، ولات هي نفسها وسيلة باش تساهم بشكل حاسم فالمقاومة المسلحة.
لكن هاد المهام ما كانتش سهلة ولا آمنة. كل مرة كانت كتخرج وهي حاملة السلاح، كانت عارفة أن أي خطأ بسيط يقدر يؤدي لاعتقالها، أو تعذيبها، أو حتى إعدامها. ورغم هاد الخطر، عمرها ما تراجعات، لأنها كانت مقتنعة أن تحرير البلاد كيستحق التضحية.
وفواحد من أخطر المواقف اللي عاشتها، وقفاتها سلطات الاستعمار وهي كتدير مهمة للمقاومة، وكان فحوزتها سلاح ووثائق سرية. فداك اللحظة، فهمات أن أي تفتيش دقيق غادي يكشف كلشي، وغادي يجر عليها وعلى رفاقها عواقب خطيرة.
كتقول فاطنة إنها من قبل حتى ما يبدأ الاستنطاق، كانت هيأت نفسها نفسيًا لاحتمال التعذيب، وقررت أنها مهما وقع ما غاديش تكشف أي معلومة على رفاقها. وكانت كتقول مع نفسها إنها إلى بداو يضربوها، غادي تبقى تردد اسم الله حتى آخر نفس، بلا ما تخون الثقة اللي عطاوها ليها.
هاد اللحظة كتجسد الثمن الحقيقي ديال المقاومة. بالنسبة لفاطنة، النضال ما كانش مجرد شعارات، بل كان استعدادًا يوميًا لمواجهة السجن، والتعذيب، وحتى الموت، دفاعًا على حرية البلاد وكرامة الشعب المغربي.
رغم الدور الكبير اللي لعباتو فاطنة منصار فالمقاومة، إلا أن مرحلة ما بعد الاستقلال ما جابتش معها الاعتراف اللي كانت كتستحقو. بالعكس، ملي بدا التحقق من ملفات المقاومين باش يتم الاعتراف الرسمي بمساهماتهم، ولى دورها محل تشكيك، بحال عدد كبير من النساء اللي شاركو فالكفاح ضد الاستعمار.
عدد من الشهادات اللي تقدمات قدام اللجان المختصة كانت كتقول إن فاطنة ما شاركاتش بنفسها فعمليات المقاومة، أو كانت كتقلل من الدور ديالها، وكتنسب الإنجازات ديالها للرجال اللي كانو فحياتها، سواء زوجها أو أفراد آخرين من عائلتها. وحتى ملي كانت كتعرف تفاصيل دقيقة على العمل السري، كان كاين اللي كيفسر هاد المعرفة بأنها مجرد نتيجة لقربها من زوجها، ماشي لأنها كانت فاعلة ومشاركة بشكل مباشر.
هاد الطريقة فالتعامل مع النساء كتوضح كيفاش التاريخ الرسمي غالبًا كيتم كتابتو من منظور كيعطي البطولة للرجال، بينما مساهمات النساء كيبقاو مهمشين أو منسيين، حتى إلا كانو لعبو أدوارًا أساسية فالمقاومة.
ورغم هاد التهميش، شهادة فاطنة كتكشف العكس تمامًا. فهي ما كانتش مجرد شاهدة على الأحداث، بل كانت منخرطة بشكل مباشر فتنظيم العمليات، ونقل الأسلحة، ودعم المقاومين، واتخاذ قرارات فيها مخاطرة كبيرة. قصتها كتأكد أن النساء ما كانوش عنصرًا ثانويًا، بل كانو جزءًا لا يتجزأ من النضال الوطني.
من خلال تجربتها، كتوضح فاطنة أن النساء كانو كيواجهو جوج أنواع ديال الهيمنة فآن واحد: الاستعمار الفرنسي من جهة، والنظام الأبوي اللي كان كيحد من دورهم من جهة أخرى. وبالتالي، كان خاصهم يناضلو باش يثبتو وجودهم داخل المقاومة، ومن بعد يناضلو مرة أخرى باش يعترف المجتمع بدورهم.
وفسنوات لاحقة، بدات فاطنة كتأمل فالمسار اللي قطعو المغرب بعد الاستقلال، وكتعتبر أن معركة النساء ما سالاتش بخروج المستعمر. بالنسبة ليها، مازال كاينة عراقيل كثيرة كتمنع النساء من تحقيق المساواة الحقيقية.
كتقول إن كاينة "يد خفية" مازال كتشد المرأة للور، وكتمنعها من التقدم. وكتفسر هاد الوضع بأن بعض الرجال مازال كيخافو من نجاح النساء، وكيعتابرو أن تقدم المرأة غادي يكون على حسابهم.
ولكن، فاطنة ما كانتش كتشوف العلاقة بين الرجل والمرأة كصراع. بالعكس، كانت مقتنعة أن المجتمع ما يمكنش يتطور إلا إذا تقدم الرجل والمرأة معًا. وكانت كتأكد أن المرأة والرجل شريكان فبناء المجتمع، وأن واحد فيهم ما يقدرش يحقق التقدم بلا الآخر.
هاد الرؤية كتعطي معنى أوسع للمقاومة. بالنسبة لفاطنة، المقاومة ما كانتش غير تحرير الوطن من الاستعمار، وإنما أيضًا النضال المستمر من أجل العدالة، والمساواة، والاعتراف الكامل بدور النساء داخل المجتمع.
ومن خلال هاد التأملات، كتربط فاطنة بين الماضي والحاضر، وكتبين أن الاستقلال السياسي وحده ما كافيش، إلا ما كانش مصحوب بتحرير النساء من كل أشكال التهميش والإقصاء، وإعطائهن المكانة اللي كيستحقوها داخل المجتمع والتاريخ.
من خلال روايتها لتجربتها الشخصية، كتسترجع فاطنة منصار المكانة اللي حرمها منها التاريخ الرسمي، وكتكسر الصمت اللي طال مساهمات بزاف ديال النساء المغربيات. فقصتها كتبيّن أن الكفاح من أجل استقلال المغرب ما كانش مقتصر على الرجال، بل ساهمات فيه أيضًا نساء واجهو الفقر، والتهميش، والخوف، وخاطرو بحياتهم من أجل الحرية.
شهادة فاطنة كتدعونا نراجعو الطريقة اللي كنقراو بها تاريخ الحركة الوطنية، لأن هاد التاريخ غالبًا ركز على الشخصيات الرجالية، بينما خلا أدوار النساء فالهامش أو قدمها بشكل رمزي فقط. لكن التجارب بحال تجربة فاطنة كتبرهن أن النساء ما كانوش مجرد مرافقات للمقاومين، بل كانو مناضلات، ومنظمات، وفاعلات أساسيات داخل شبكات المقاومة.
وكتوضح هاد الشهادة كذلك أن النضال ديال النساء ما بداش مع الحركات النسائية الحديثة، بل عندو جذور عميقة فالتاريخ المغربي، وأن المغربيات كانو حاضرات فالمعارك الوطنية، وساهمو فبناء المجتمع والدفاع على الحرية والكرامة.
فقصة فاطنة، المقاومة ما كتقتصرش على مواجهة الاستعمار، ولكن كتولي أيضًا مقاومة لكل أشكال الإقصاء والتمييز ضد النساء. وهي كتأكد أن العدالة الحقيقية ما كتتحققش غير بتحرير الأرض، ولكن كذلك بالاعتراف الكامل بمساهمة النساء، وضمان حقوقهم، وإعطائهم المكانة اللي كيستحقوها داخل المجتمع والذاكرة الوطنية.
واليوم، كتبقى شهادة فاطنة منصار وثيقة تاريخية وإنسانية مهمة، لأنها كتحافظ على ذاكرة نساء بقاو لسنوات خارج السرديات الرسمية، وكتأكد أن كتابة التاريخ خاصها تشمل جميع الأصوات، خصوصًا أصوات النساء اللي كان حضورهم أساسي، ولكن غالبًا ما تم تجاهله.
المراجع
- ليلى أبو لغد (2002). هل تحتاج النساء المسلمات حقًا إلى من ينقذهن؟ تأملات أنثروبولوجية حول النسبية الثقافية وغيرها. المجلة الأمريكية للأنثروبولوجيا.
- فدمة آيت موس (2021). مكانة النساء في النصوص الوطنية خلال فترة الاستعمار: حضور غائب. مجلة هسبريس-تمودة.
- أليسون بيكر (1998). فاطنة منصار: الدار البيضاء. ضمن كتاب أصوات المقاومة: شهادات شفوية لنساء مغربيات. دار نشر جامعة ولاية نيويورك.
- نوال السعداوي (1983). الوجه الخفي لحواء: المرأة في العالم العربي. دار زيد للنشر.
- أوزير غلاسيي (2006). مغربيات مناضلات. مجلة MarocAntan.
- فرانسيس هاسو (2005). المقاومة، والقمع، وسياسات النوع الاجتماعي في فلسطين والأردن المحتلتين. دار نشر جامعة سيراكيوز.
- فاطمة المرنيسي (1987). ما وراء الحجاب: العلاقات بين الرجل والمرأة في مجتمع مسلم معاصر. دار نشر جامعة إنديانا.
موارد أخرى